الأربعاء، 24 أغسطس، 2011

وعدٌ في وجه السماء .!






بشار الأسد : بمناسبة أنك أغلقت المساجد اليوم .. لأنك تخاف من الإيمان .. هل تعلم أن الإيمان ليس سلعة تحتكرها المساجد .!

هل تعلم أن المساجد تحتاج إلى قلوب تؤمها ليعمرها الإيمان .!

هل تعلم أن هناك أمة عاشت ما يقرب الـ 400 عام تتيمم من غبار الجدار ، و تقضي الصلوات الخمس ليلاً ، و تقضي رمضان على مدار العام .. و تلقي بنفسها في النهر اغتسالاً من الجنابة .. و تدخل الشوك و الأعواد و الأصابع في حلوقها لتتقيء الخنزير أو الخمر إن تناولته إجباراً أو خطأ .!

هل تعلم أن هناك أمة ، اخترعت لغة ثالثة لتحافظ على " الإيمان " الذي لا تعرف .!هل تعلم ، أن المساجد صارت غرفة مخفية بين الحجرات في البيت الضيق ، يجتمع فيها سراً لإقام الصلاة .!هل تعلم أن هذه الأمة ، اعتادت أن تصنع كوة في جوف البيت ، خفية ، يخبأ فيها القرآن و ما أُستطيع الحصول عليه من المخطوطات و التعاليم ، ثم إذا جنّ الليل فرّ إلى القرآن الكبار ، و إذا بلغ الطفل الحُلم .. أخبر سراً و على وجل أنت " مسلم " ، و تلك الأعياد التي نقيمها خفية مع أقربائنا الموريسك إسلامية ، و ذاك الفارس الكريم النبيل الذي طالما حكينا لك عنه هو نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ، و أولئك الولدان الجميلان الكريمان هما سبطاه الحسن و الحسين ، و جيراننا آل .... من ذريتهم ، هم أيضاً مثلنا ، يعبدون الله و يحبون المسيح و محمد ، هما أخوان .!

هل تعلم أن هذه الأمة صنعت الأغاني و الألعاب ، لتحفظ اسمها ، قرآءنها ، عقيدتها ، و حلمها .. هم يغنون و أشباهكم يسمعون ، هم يعتقدون و أشباهكم يسخرون ، هم عبدوا الله على خوف و في سر .. و رحلوا و رحل أشباهكم .. و بقيت ذاكرتهم ، و وجه " الله " .!

هل تعلم أن الحرائق اشتعلت في قلب أوربا كثيفة ، و كان حطبها هؤلاء .. و في ذاكرة كل حريق أنفاس تتلو " يا الله "ا .!هل تعلم ، أنهم كانوا يرسلون أبنائهم مع الموج إلى عدوة المغرب ، ليعبدوا الله بـ " حرية " مع إخوانهم ، و يصبرون هم على التعبد " سراً " .!هل تعلم ، أنه من أصلابهم عاد من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً .!هل تعلم ، أن " الله " إذا ملأ قلباً ، اطمأن به ، فلم يخف ، و لم يرضَ أن يخرج منه .!

هل تعلم ، ستخرج أنت و ستفرح السماء بتموج الآذان و وتحليق " الله أكبر " .! .. إنه وعدٌ نقرأه في وجه السماء ، فأين تقرأ وعدك .!

و صدق الموت ...






و في الحياة أسماء لا يجب أن تدفن و تنسى .!

أسماء لم تولد .. و لكن اهتزت من التربة المالحة وحلقت نحو السماء !

أروى كما في دعواتنا و ذكرياتنا و قلبها الرحيم !

علوة .. كما في شهادة الميلاد ... و شهادة الوفاة !

.

.

.

.

قبل الموت ..

في صباح قديم .. التقيت أروى أمام المرآة في المدرسة .. كنت نصف نائمة .. و تراءات لي حينها أنها في أشد لحظات فرحها .!وجهها البشوش .. ابتسامتها .. و ضحكتها .. و تعليقاتها المرحة .. و في غمرة الفرح التي كانت تبثه أروى في المكان .. صدح صوتي بأريد كحل .. أريد روج .. نسيت مكياجي .. كانت يدها الأسرع إلي بمحفظة مكياجها .. شكرتها فتبسمت .. ثم عطرتني من عطرها !

و منذ ذاك اللقاء ، اللقاء الأول لنا بدأت أروى تمارس كرمها معي كما الكل

و ترحيبها الحافل عند كل لقاء !

لم أذكر أنها كانت تصافحني .. بل دوماً تعانقني .. و كذا أكثرنا .. فقط لأنها كما يقول الجميع " أروى حنون جداً " .!

كانت موظفة الكمبيوتر في المدرسة .. أكثرنا عملاً و أكثرنا تعباً و كدراً .. و أقلنا حظاًً و نصيباً .. و أقلنا راتباً .. أروى لم تكن موظفة رسمية .. بل متعاقدة مع المدرسة .. و لم تملك يوماً ورقة رسمية تثبت حقوقها .!

كانت دائماً تكرر .. حين ترانا : " انتشلوني من هذه الغرفة " .. تلك الغرفة التي تعمل فيها .. غرفة الإداريات .. التي تحتل إحدى زواياها جلسة ما و كأنها مجلس أو مقهى .. و في وسط تلك الجلسة طاولة تمتلأ بثلاجات الشاي و القهوة و أنواع الحلويات و المعجنات و الصواني .. و حول كل هذا ترتفع الأصوات و الضجيج .. و أروى تحاول أن تمارس العمل خلف مكتبها المقابل لهذا المقهى في نفس الحجرة .!

أروى طالبت بأن ينقل مكتبها خارج هذا المكان .. طالبت بأن يكون هناك عقد يحفظ حقها .. أروى غابت عنا بعد ذلك شهراً .. دخلت المستشفى .. أصيبت بإلتهاب في عضلة القلب .!

فعرفت يا أروى كيف تمرض القلوب .. و كيف تلتهب حزناً و وجعاً .!

و تعلمت يا أروى أن الوجع يبدأ حين ينادى المرء باسم لا يحب .. فقط لأن الأوراق الرسمية تحمل اسماً يمقته .!

و تعلمت يا أروى أن الابتسامة يمكن أن تتفتق في الوجه و القلب مشتعلٌ بألف وجع و وجع .!

بألف حقٍ ضائع .. بخبرة و موهبة و براعة وشهادة .. و بطالة .!

براتبٍ يتأخر شهراً كاملاً لأنه رهن " القطة " .!

و ببيت لا رجل فيه في أرضٍ تقفر أمام امرأة بلا رجل .!

و عادت أروى بعد السفر مرضاً .. ليستهلك قلبها الوردي من جديد ..

قبل ثلاثة أسابيع .. بدأت دوامها داخل المدرسة من الثامنة صباحاً .. إلى السابعة مساءً ..

و في البيت أحياناً كانت تحمل أعباءها معها .. و الكثير من الحزن و الكثير من الهم و الكثير من الوجع .. و القليل من الرعاية و .. و القليل من الشكر .. و الرحمة !

كم مرة صرخت .. اصمتوا .. كم مرة قالت تعبت .. كم مرة أسرت لنا كل على حدى .. البارحة أغمي علي بعد عودتي للبيت .!

و استمرت في الوجع و الكل في التجاهل .!

و قبيل الموت بأيام ..

جلست بجوارها .. أدخلت القليل جداً من البيانات في الحاسوب .. كانت تنظر إلى سبابتي اللتين تتنقلان بين الأرقام و تضحك لبطأهما .!

كم مرة قالت في تلك الساعة : " لا خلا و لا عدم " ، " الله لا يحرمني منك " ، " يا جعل قلبي ما ينحرم منك " .!لم أذكر أني قلت لها مثل هذا يوماً .. يا قلبها الكريم أسكنك الله جنات ربك .!

و خرجت .. رغبت في أن أقول لها وحدها دون سواها " مع السلامة " خفت أن تنتبه المديرة لخروجي .. فخرجت و سافرت .. و ماتت دون أن أودعها .!

أروى رحلت مساء الجمعة .. بسكتة قلبية .!

انطفأت أروى .. دون أن يتخذ الفرح في قلبها ركنٌ قصي يقيم أوده .!

رحلت و لم تقرأ يوماً شهادة شكرفيها اسم " أروى " !

رحلت أروى بشهادة وفاة لم يكتب فيها اسم " أروى " .!

إلى جنات الخلد يا أروى قلوبنا .. أدخليها بسلام آمنة .!